عبد الكريم الخطيب

900

التفسير القرآنى للقرآن

وفي هذا يقول اللّه تعالى فيهم : « وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ » ( 89 : البقرة ) ويجوز أن يكون المعنى على طلب المؤمنين الحماية من اللّه سبحانه وتعالى لهم ، من أن يفتنوا في دينهم ، بما يرميهم به الذين كفروا من مكاره ، وما يسوقون إليهم من أذّى . . ويجوز كذلك أن يكون المعنى متضمنا الوجهين معا ، وهو ألا يكون المؤمنون فتنة للكافرين ، وألا يكون الكافرون فتنة للمؤمنين . . وهذا ما يشير إليه قوله تعالى : « وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً » ( 20 : الفرقان ) وفي قوله تعالى : « إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » - إشارة إلى قدرة اللّه وعزّته التي يعزّ بها المؤمنين ، ويحميهم من أذى الكافرين ، حتى لا يفتنوا في دينهم . . وعزّة اللّه عزّة قائمة على الحكمة ، فكل ما يصدر عن قوة اللّه ، وعزته ، هو عن حكمة محكمة ، لا عن هوّى ، وتسلط ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . . قوله تعالى : « لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ » هو توكيد للدعوة التي دعى إليها المؤمنون ليتأسّوا بإبراهيم والذين معه ، بعد أن تبين لهم موقف إبراهيم ، ومن معه ، من أقوامهم . . فقد دعى المؤمنون أولا إلى التأسي بإبراهيم ومن معه قبل أن يعرفوا الوجه الذي يتأسّون به منهم ، فلما تبيّن لهم هذا الوجه ، وهو موقفهم المجانب لقومهم ، المتبرئ منهم ومن كفرهم - حسن أن يدعى المؤمنون بعد هذا دعوة مجدّدة إلى ما دعوا إليه أولا ، حيث عرفوا موضع الأسوة في إبراهيم ومن معه . . ولهذا جاءت الدعوة